Wednesday, May 7, 2008

ألوان السما السبعة .. الروح والجسد في عمل فني جميل !


أكثر من عشر سنوات منذ أخرج فيلمه القصير الأول. يقدم سعد هنداوي في ثاني أفلامه الروائية الطويلة "ألوان السما السبعة" عمل فني جميل يؤكد ما أثبته من قبل في أفلامه القصيرة وفيلمه الطويل الأول. وهو انه أحد أهم المخرجين الشباب الذين يصنعون حاضر ومستقبل السينما المصرية. انه من الأفلام القليلة التي تستخدم لغة السينما كلغة للفلسفة. وليس لسرد القصص فقط. فالموضوع هو العلاقة بين الروح والجسد. أو بين الفجور والتقوي داخل النفس الإنسانية. عثرت كاتبة السيناريو زينب عزيز علي معادل درامي صحيح ومثالي للتعبير عن هذا الموضوع المركب. ورؤيتها له. وعثر سعد هنداوي في هذه الرؤية علي شكل آخر من أشكال التعبير عن رؤيته الإنسانية للحياة. وتكاملت العناصر الفنية في الفيلم لتدفع المتفرج إلي التأمل في طهارة الروح رغم دنس الجسد. ودنس الروح رغم طهارة الجسد. وتدعوه إلي التسامح مع الضعف الإنساني. والرحمة في زمن طغيان القسوة والعنف علي كل المستويات.



المكان القاهرة الإسلامية في الوقت الحاضر بين القصور التاريخية المرممة. وبيوت الطبقة الوسطي في حواريها. وبيوتها في القاهرة الخديوية وشوارعها الجديدة. والزمان في شهر رمضان المبارك بكل تقاليده في الحواري والشوارع وداخل تلك البيوت. ونقطة البدء حنان "ليلي علوي" وهي تذهب مع فتاتين من صديقاتها لمشاهدة عرض فرقة التنورة في قصر تاريخي. وتتعلق بالراقص الرئيسي بكر "فاروق الفيشاوي". وتشعر مع حركة جسده وهو يدور بزي الرقصة الملون بألوان السما السبعة انه يحلق بروحه في مكان بعيد. فتحلق روحها معه ويتكامل السيناريو مع الاخراج في بناء درامي سينمائي متقن ندرك معه ان حنان هو الاسم المستعار لصباح. وانها تعيش شخصيتين: الحقيقية صباح في منزل والدتها. ومع اخوتها التي تنفق عليهم بعد وفاة والدها. والمستعارة حنان التي تملك بيتها الخاص الذي لا يعرفه أحد. وتمارس الدعارة. كما ندرك أن بكر طلق زوجته توحيدة "سوسن بدر" لأنه يشك في سلوكها. وأصبحت حياته بين أستاذه في الرقص امبابي "حسن مصطفي" وابنه الشاب سعد "شريف رمزي" الذي يريد أن يكون راقصاً للتنورة بدوره.



لا تريد صباح أن تحلق بروحها بعيداً عن جسدها فقط. وانما تريد أن تهاجر من مصر كلها. ولذلك نتابع محاولاتها طوال الفيلم للحصول علي موافقة أي سفارة للهجرة.. وبينما يدفع سعد والدته إلي الزواج من عناني "أحمد راتب" نجار الحارة الذي يطاردها. ينمو الحب بين صباح وبكر. وفي مشهد من أروع مشاهد ليلي علوي ذات التاريخ الحافل "ماستر سين" تبوح إلي بكر بسرها. فالحب عندها هو الصدق حتي لو أدي إلي نهاية ذلك الحب. ويؤدي فاروق الفيشاوي أحد أدوار عمره. وخاصة بعد هذا الاعتراف. ويعكس بدوره تلازم الصدق والحب عندما تنتهي حيرته باعترافه هو الآخر انه يبيع جسده للمعجبات. وتبدو براعة السيناريو والاخراج والمونتاج الذي قامت به رباب عبداللطيف بحساسية فائقة وفهم عميق للموضوع والمضمون في استخدام العودة إلي الماضي "الفلاش باك" ثلاث مرات. وعلي نحو يجعلها فلاشات بالفعل أي هجوم مفاجيء من الماضي. أو تجسيد بالصورة لما يروي بالصوت. المرة الأولي عندما يحكي بكر كيف أحب التنورة واكتشف صوفية الحركة في طفولته عندما كان يشاهد والده في حلقات الذكر أثناء مولد إبراهيم الدسوقي في القرية. والثانية عندما تتذكر صباح علاقتها مع سامح رجل الأعمال الثري الذي أغواها. والثالثة عندما يعترف بكر بأنه يبيع جسده بدوره كما تبدو تلك البراعة في لقطات السحب العابرة في السماء. والتي تتكرر طوال الفيلم. وتربط بين أجزائه من ناحية. وتعبر عن معناه من ناحية أخري. وبها يبدأ وينتهي



وتبدو الرؤية الإنسانية في وجود الأجيال الثلاثة التي توجد في أي زمن: جيل والد بكر وأستاذه ووالدة صباح. وجيل بكر وصباح وتوحيدة وعناني. وجيل سعد الذي يصدم عندما يري فتاته عبير "مني هلا" مع شاب آخر تحت السلم. ولا يقل اختيار مني هلا في وقته عن اختيار سعد هنداوي لكل ممثليه وممثلاته. وإدارتهم بحنكة عالية سواء الأساتذة. أم الجدد. وتستمر دائرة الحياة بقبول بكر أن يعلم سعد تنوره. ورفض صباح الهجرة بعد أن حصلت عليها أخيراً. وموافقتها علي الزواج من بكر وهذه الدعوة إلي التسامح نادرة في الدراما عموماً. وخاصة في الأفلام المصرية.. ويتكامل ديكور الفنان الكبير صلاح مرعي مع أماكن التصوير المختارة بعناية. ويصل إلي الذروة في كشف التناقض بين الديكور العصري الأنيق في بيت صباح الخاص. وديكورات بيوت سكان حي الحسين كما يتكامل الديكور مع موسيقي تامر كروان الذي استطاع أن يجد الحلول الفنية المناسبة للموضوع المركب


والمضمون الإنساني غير التقليدي. فلا توجد أحداث درامية بالمفاهيم السائدة. وانما رحلات روحية داخل شخصيات معذبة من كل الأجيال. وهذا ما عبرت عنه الموسيقي. ورغم ان التصوير يتكامل مع كل العناصر الفنية. إلا أن مستوي التعبير بالألوان والظلال والأضواء لم يكن ابداعياً بالقدر الذي يتناسب مع رمسيس مرزوق. وهو من كبار مصوري السينما في مصر والعالم. الصورة لم تحلق في الأماكن الخفية للروح بمثل الموسيقي. وانما ظلت في العالم الأرضي. أو لم تكن بألوان السما السبعة وانعكاسها علي الأرض


المصدر : الجمهورية

انضم الينا مع اكبر مجتمع عربى على الشبكة